الرئيسية
حول آفاق
المانحون
إدعم آفاق
المنح
المستفيدون
المحكّمون
لوح الأخبار
موارد آفاق
المفكرة
الأسئلة
إتصل بنا

الريادة في الفنون والثقافة


سجل دخولك   عربي   English

نزّل كتاب أوروبا هنا
أخبار آفاق



مقابلة مع سليمان البسام حول مسرحية "أور"

28 أيلول 2018

على المسرح أن يبحث في المستحيل"

 

تنطلق اليوم الجمعة ٢٨ أيلول/سبتمبر عروض مسرحية "أور" للمخرج والكاتب المسرحي الكويتي سليمان البسام على خشبة مسرح "رزيدانس ثياتر" في ميونيخ. يستند العمل، الذي أنتج بمشاركة المسرح وآفاق وشركة سبب، إلى نص سومري تاريخي في عنوان "رثائيّة لدمار مدينة أور" ويجمع فريقاٍ من الممثلين والتقنيين العرب والألمان في مقدمهم حلا عمران، محمد آل رشي، لارا إيلو، داليا نعوس، تيم فيرث، مارينا بلانك، بيجان زماني وآخرون.

 هنا حوار مع البسام أجرته رنا قبيسي.

 

1. "أور" عمل مسرحي حيوي وخلاق مخلصٌ لهويّة سليمان البسام الفنيّة من حيث أصدائه والأبحاث التي تغذيه. ما الذي ألهمك هذه المرة؟ وما هو موقع هذا العمل بين بقيّة أعمالك، وتحديداً مسرحيّة "رثاء مدينة أور" التي قدّمتها في العام 2015؟

 

استوحيتُ هذا العمل من نصٍّ سومريٍّ تاريخيّ اسمه "رثائيّة لدمار مدينة أور"، وهو أحد النصوص التأسيسيّة في الأدب السومري. نُقِشَ النص على لوحٍ من الطين، ويعتقد الخُبراء أنه يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وقعت على اللوح خلال زيارةٍ قمتُ بها إلى متحف اللوڤر في باريس. إكتشفت حينها أن رثائيات دمار المُدُن كانت من الأنواع الأدبيّة المهمّة لدى السومريين.

 

يتألّف النص من 900 سطر من الشعر، يتخلّلها حوار بين الإلهة "نينغال" وأهل المدينة. في الحوار، يتَّهمُ أهل المدينة الإلهة بالتَّخلي عنهم وتدمير المدينة، فتجيب الإلهة قائلة: "لم أتخلَّ عنكم، لقد حاولت أن أتجنَّبَ ما حصل"، بهذه الجملة  ينتهي الحوار الذي لطالما اعتقدت أنه نقطة دخول شديدة الأهميّة لتناول هذا النص والتوغّل فيه.

 

2. إذن كانت هذه القصيدة هي مصدر إلهامك؟

 

نعم، إلّا أنني لم أعُد إلى لوح "رثائيّة لدمار مدينة أور" إلا بعد سنواتٍ عديدة – مع تداعيات أحداث الانتفاضات الشعبية في العديد من المدن والبلدان العربيّة – حينها، بَدَأتْ تتراءى لي إمكانيّة خلق استعارة تتناول تلك اللحظة من الزَّمن التي أعتقد أنها نشأت حوالي العام 2012، والتي شهدت، بشكلٍ مُمَنهَج، تدمير العديد من المدن والمراكز الحَضَريّة في جميع أنحاء المنطقة العربيّة. وهكذا، دفع بي تمازج النصوص وأحداث التاريخ المُعاصر إلى العمل على نص "أور". كانت هذه هي البداية أو نقطة الإنطلاق إذا أمكن القول.

 

3. تُعتَبَر المدن العربيّة اليوم أماكن مُهدَّدة. تدمير مدينة أور، كما التَّلميح إلى عالم الآثار السوري خالد الأسعد في المسرحية، بُرهان على ذلك. ماذا كان مقصدك في هذا الصَّدَد؟

 

أردت أن أخلق من الرثاء القديم إمكانيّة انعكاس التاريخ على الأحوال المعاصرة للدَّمار والتَّصحُّر. وللقيام بذلك، كان عليَّ أن أجد مبرّراً سببيّاً للدمار المُفجِع كذاك المؤَرَّخ على لوح مدينة أور، فقرّرتُ استخدام كلمات الإلهة الاُنثى "نينغال" كنقطة انطلاق أستكشف من خلالها سرديّةً للإثم والخطيئة. أردت أن أضع البطلة الأنثى في قلب الأحداث، وأعطيها سيادة مُطلَقة وإرادة تدميريّة، إذا صحَّ التَّعبير، أو لِنَقُل إرادة تنتهي إلى نتائج مدمّرة. هكذا، واستناداً إلى فكرة الإرادة الراديكاليّة هذه، تقترحُ البطلة "نينغال" مُخطّطاً يُضَعضِعُ ويُقلِقُ حالة مجتمعها الراهنة ونظامه الأبويّ. تنتج الفوضى الناجمة عن ذلك سلسلة من الأصوات التي يتردّد صداها في اللحظة المُعاصرة، من بينها صوت خالد الاسعد.

 

4. يتنقّل الجمهور بين مراحل زمنيّة مختلفة قُمتَ باختيارها: 2004 قبل الميلاد، 1903، 2015 و2035، مع تدخلٍ عَرَضيٍّ لشخصيّات وعناصر حقبة معيّنة داخل أخرى. ما هو سبب اختيارك لهذه الأزمنة تحديداً؟ وإلامَ يرمي هذا الانسياب الزَّمكاني؟

 

في العام 2015، كان المشروع عبارة عن مجموعة مشاهد تدور أحداثها في العام 2004 قبل الميلاد، مع حضور معاصر واحد يتمثّل بصوت خالد الأسعد وشبحه. عندما بدأنا بتطوير المشروع وجرت المناقشات حول إنتاج العمل في ألمانيا، بدا لي أن للقضايا التي تتناولها المسرحيّة القدرة على استيعاب غير ذلك من العناصر، فشَرَعتُ في إنشاء مساحة ثنائيّة اللغة والثقافة تسمح بالأداء ضمن نطاق هذه القضايا، وتضمنُ وجود حيّزٍ لتفعيل عدد مهم من أصوات الممثلين الألمان والعرب. بعد ذلك، قمتُ بعمليّة بحث ثانية تتناول المشروع الإمبريالي الأوروبي مع التركيز على منطقة الشرق الأدنى ومعالم الهوية الأوروبية بين بقايا الحضارات القديمة في منطقتنا. أدّى بي ذلك إلى التركيز على المشاهد التي دارت في بابل بين أعضاء بعثة "الجمعيّة الشَّرقيّة الألمانيّة" في العام 1899. ما أجده مذهلاً حول تلك الحقبة من التاريخ الأوروبي هو أن هدف تلك البعثات، سواءً الفرنسية أو البريطانية أو لاحقاً الألمانية، من تنقيب آثار وبقايا الحضارات الأكادية والآشورية وبلاد ما بين النهرين، كان البحث عن سمات الهوية الأوروبيّة فحسب. لذا، فإن الهدف الأهم من مهمّتهم تمحور حول فكرة التأكيد الذاتي للهوية وسط أطلال الحضارات القديمة. إن هذه الرغبة المستشرقة في إعادة تأكيد وجود الذات الأوروبيّة-اليهوديّة-المسيحيّة، تذكّرني، بطريقةٍ غير مباشرة، بحاجة تنظيم داعش، مثلاً، إلى تأكيد مفاهيمه الخاصّة في ما يتعلّق بالتاريخ وبالذات والذُّكورة من خلال تدمير هذه الموجودات.

يجمع بين المشهدين الداعشي والأوروبي عنصر مشترك يضمّهما إلى المشهد الثَّوري السّومري. ويتمثّل هذا العنصر بعَجز الأنظمة الأبويّة الذكوريّة عن إدراك أو فهم ما تحويه أغنية "نينغال" الثوريّة من إمكانيات، وبحاجة تلك الأنظمة إلى إعادة تفسير معاني تلك الأغنية الثوريّة وتوجيهها داخل منظومةٍ من المعاني تعمل على تأكيد حالتهم الراهنة وترسّخها. إذاً، فإن هذه الانزلاقات الزَّمنية بين العام 2000 قبل الميلاد و1903 و2015 و2035، هي ليست إلا استكشافات إما لدمار الأغنية الثوريّة أو لسوء فهمها أو الاستيلاء على فحواها ضمن مصفوفة المعاني المُناصرة للحالة الذكوريّة المستتبة والمدافعة عنها.

 

5. في "أور"، يسمو الشِّعر والتحرُّر الفكري على الحرب والظَّلاميّة. تقول "نينغال"، إبنة الإله إنليل وحاكمة مدينة أور: "ما تكتبه أور لن يمحوه التاريخ". وبالفعل، تتسلّح "أور" في الحرب بالكتب والشِّعر بدلاً من الجيوش والأسلحة. ما الذي تقوله هنا؟ ما هي الرسالة التي تود إيصالها إلى العالم؟

 

أغنية "نينغال" الثورية هي مشروعٌ يوتوبي. في مواجهتها للبربريّة، تشدّد الإلهة على مبادئ مشروعها اليوتوبي المدني والجنسي والأدبي في آنٍ معاً. لذا، فإن أغنيتها هي أغنيةٌ متسامية وتجاوزيّة، تسعى إلى إدراج أوجه حياتها المستحيلة في الشِّعر.

بالإضافة إلى ذلك، كنت مهتمّاً أيضاً باحتمال أن تكون "نينغال" مدركة لعبث مشروعها ولاجدواه، ولكن على الرغم من إدراكها له، يجب أن يكون إصرارها على تنفيذه حاسماً بل حتّى استبداديّاً. وهي تصبح مستبدّةً بالفعل. من خلال ذلك، أردت لمساحة النص ومساحة الأداء أن تحافظا على ميزة  آخريّة جذريّة لا تقتصر على المعالجة الجنائيّة للأسباب أو على المعالجة الذاتيّة الانعكاسيّة للنتائج.

 

6. تقول "نينغال" في المسرحية: "أنتم لا تعرفون قوة الباب المفتوح". بالفعل، يظلُّ باب مدينة "أور" مفتوحاً رغم كل الأحداث، وقد نزعم أن ذلك هو ما قادها نحو الدَّمار. ماذا تقول عن مبدأ الباب المفتوح؟ وكيف يتصل هذا المبدأ بواقعنا اليوم؟

 

في نظري، على المسرح أن يبحث في المستحيل، وليس في الممكن. هكذا تكون وظيفة المسرح أكثر تماسكاً ومتانة بالنظر إلى قدرته على خلق مساحة خياليّة.

هناك عناصر سياقيّة أخرى مهمّة في هذا الإنتاج؛ ليس من قبيل المصادفة أن تولد مسرحيّة "أور" في ألمانيا، البلد الذي ظلَّت حدوده مفتوحة لضحايا الإنتفاضات والحرب الأهليّة في سوريا. لهذا السبب تُطرَحُ الأسئلة حول طبيعة المدينة وطبيعة عواقب الأغنية الثورية أو عواقب التاريخ المعاصر في ألمانيا. هكذا، وفي سعيه إلى تعريفاتٍ عن المدن الحديثة وإلى الكشف عن أشكالٍ جديدة للمعنى وللقراءة والإدراك والاستصواب، يأخذ العرض أهمية معنويّة خاصّة في سياق ألمانيا ومدينة ميونيخ وأوروبا عموماً.

هناك لحظات في العرض تبدو فيها البطلة "نينغال" وكأنها خرجت لتوّها من سيناريو كُتِبَ لشخصيّة أنجيلا ميركل، ونصوص لوالدها "إنليل" وزوجها "نانا" تبدو وكأنها تنتمي إلى الحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا، ذلك بالإضافة إلى مماثلتها لخطابات الحكّام العرب المتسلّطين.

لذلك توجد مستويات عديدة يمكن للنص من خلالها أن يحاكي بنية السياق الأدائي الأخاذة والساحرة في قدرتها على إخراج السيناريو من الورق إلى الخشبة.

 

 

7. ما الذي ترغب في أن يأخذه المشاهد معه من المسرحية؟

 

الشعور بالغِنى وبالتَّمكّن والقدرة. أود أن يختبر المشاهد أيضاً إمكانيّة الإدراك عبر اللاإدراك، والتي هي عمليّة فيزيولوجية وظائفية بَحتة.

ينطقُ العرض بأربع لغات، هي العربية والإنجليزية والسومرية والألمانية. أودُّ أن يتمكّن الجمهور من سماع الألمانيّة على أنها العربيّة، والعربيّة على أنها الألمانيّة.

 

8. ستُعرَضُ "أور" على منصّةٍ يجلس الجمهور على جانبيها وليس أمامها كما تجري العادة. هل اخترت نمط الجلوس هذا لتعزيز مشاركة الجمهور في العرض؟

 

إقترح مصمِّم السينوغرافيا إيريك سواييه هذا التَّصميم كمُحاكاةٍ للَّوح الطين المستطيل الشكل. تجثمُ مساحة الأداء بين الجمهور وكأنها لوح، وأجساد الممثلين هي بمثابة العلامات الكتابيّة المنقوشة عليه، إذا جاز التَّعبير. هناك ميزة مهمّة في هذا التَّصميم وهي عدم وجود منظور واحدٍ للفضاء، مما يسمح لتعدديّة وجهات النَّظر أن تخلق رحابةً وحيّزاً حرّاً للممثلين كما للجمهور. لا يمكن الجميع رؤية كل شيءٍ بالطريقة نفسها أو حتى بطريقة متشابهة. إذا كان الممثل يقف مواجهاً لجانبٍ من الجمهور، فما سيراه الجانب الآخر هو ظهره؛ لا يمكن المشاهد في هذا العرض السيطرة على كل الأبعاد.

 

9. تضمُّ مسرحيّة "أور" مجموعة غنيّة وديناميكيّة من الممثلين العرب والألمان. كيف تقيّم هذا التعاون الأول مع المواهب الألمانية؟ وكيف ترى التفاعل بينهم وبين الممثلين العرب؟

 

كانت تجربة مهمّة. لقد اقتصَرَتْ الكثير من المبادرات المؤسّساتيّة الأوروبية التي تعالج مسألة الشَّتات العربي على دعم وتمكين الفنانين العرب من أجل مواصلة ممارساتهم الفنيّة وتطويرها، الأمر الجدير بالثناء طبعاً، إلّا أن هذه المبادرات كانت غالباً ما تبعد هؤلاء الفنانين عن الوسط الفني وتحول دون حصول تفاعل معه.

بينما في هذا المشروع – وأعتقد أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ المشهد الثقافي الألماني – قمنا بدمج مجموعتَين مختلفتَين تماماً من حيث اللغة والإنتماء العرقي، حيث تحوّلت العناصر البنيوية للثّنائيّة اللغوية والثّنائيّة الثقافيّة إلى عناصرٍ أدائيّة في حد ذاتها. وهذا يختلف تماماً عن الكثير من مساعي الإنتاج الثقافي البنّاء المبذولة حالياً. إذ تمثّل هذه العمليّة مزجاً معبّراً داخل مفهوم الإبداع، حيثُ لجميع الأصوات صدى متساوٍ.

 

 

10. سيُقَدَّم العرض الأول لمسرحية "أور" في ميونيخ في نهاية شهر أيلول/سبتمبر. ما هي خطتك لبقية البلاد الأوروبيّة والمنطقة العربية؟

 

سوف تُعرَض "أور" في ميونيخ حتى شهر شباط/فبراير. ونحن الآن في صدد دراسة إمكانية تقديم العرض الأول في العالم العربي في تونس في شهر كانون الأول/ديسمبر من هذا العام.

 

11. نلاحظ في مسرح العالم العربي مؤخراً هروباً متزايداً من النَّص. ما هي نظرتك العامة للمسرح العربي؟ وما هو برأيك الدَّور الذي يلعبه في معالجة القضايا المُلِحّة في واقعنا الحالي؟

 

أي نقاش حول المسرح عليه أن يرتكز أولاً على حقيقة أننا نتحدّث عن وسيطٍ تنظيمي، أي عن كائنٍ مسحوقٍ وجائع ومحاصَر بالمشاكل. يقع المسرح العربي في أسفل الأولويّات المؤسّساتيّة لأي بلد عربي باستثناء تونس.

في ممارستي المسرحيّة، النص هو الأداة التي تفضي إلى الشِّعر، وهو مُدمَج ومتجانس مع العمليّة الأدائيّة. ولكن هذا يقتصر على ممارستي الشخصيّة، إذ يشغل النص عند غيري من المخرجين مستويات مختلفة ضمن التسلسل الهرمي، والتي أعتقد أنها سليمة ومُسَوَّغة. لا أؤمن بوجود نهجٍ أكثر صلاحيّة من نهجٍ آخر. لكن المسرح هو فن أقليّات، وهو لا شك فن يعاني من مشاكل كثيرة في العالم العربي. وأعتقد أن المساحات التي تُفتَحُ اليوم لمواهب الشَّتات العربي في أوروبا هي مساحات مهمّة لا بدَّ لها أن تغذّي الممارسة المسرحيّة في العالم العربي وتُغنيها.


خريطة الموقع | إتصل بنا | جميع الحقوق محفوظة آفاق 2018 | تصميم عمر مسمار | تطوير فيوجن سكند.